طريق النحل مركز تحميل سمر المكتبة الطلالية

ســــــمريـــات

تحديث الصفحة مركز التحميل كلمة المرور تفعيل العضوية الملف الشخصي
العودة   ملتقى سمر الثقافي > الملتقى الأدبي > شاعر وقصيدة

شاعر وقصيدة حياة شاعر / مختارات شعرية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 18-10-2007, 11:51 PM   #1
نزار عوني اللبدي
مشرفين
 
الصورة الرمزية نزار عوني اللبدي

الجنس :  ذكـــر
الدولة :  عمان - الأردن
هواياتي :  انتظار ما تأتي به الأيام
نزار عوني اللبدي is on a distinguished road
نزار عوني اللبدي غير متواجد حالياً
افتراضي أمل دنقل ... شاعر لم يصالح ،،،


أمل دنقل




ولد أمل دنقل عام 1940 بقرية القلعة ،مركز قفط على مسافة قريبة من مدينة قنا في صعيد مصر,وقد كان والده عالما من علماء الأزهر الشريف مما أثر في شخصية أمل دنقل وقصائده بشكل واضح. سمي أمل دنقل بهذا الاسم لأنه ولد بنفس السنة التي حصل فيها أبوه على "إجازة العالمية" فسماه باسم أمل تيمنا بالنجاح الذي حققه (واسم أمل شائع بالنسبه للبنات في مصر)


أثر والد أمل دنقل عليه


كما ذكرنا بالأعلى كان والده عالما بالازهر الشريف وكان هو من ورث عنه أمل دنقل موهبة الشعر فقد كان يكتب الشعر العمودي,وأيضا كان يمتلك مكتبة ضخمة تضم كتب الفقه والشريعة والتفسير وذخائر التراث العربي مما أثر كثيرا في أمل دنقل وساهم في تكوين اللبنة الأولى للأديب أمل دنقل.
فقد أمل دنقل والده وهو في العاشرة من عمره مما أثر عليه كثيراً وأكسبه مسحة من الحزن تجدها في كل أشعاره.


حياة أمل دنقل


رحل أمل دنقل إلى القاهرة بعد أن أنهى دراسته الثانوية في قنا .وفي القاهرة التحق بكلية الآداب ولكنه انقطع عن الدراسة منذ العام الأول لكي يعمل.
عمل أمل دنقل موظفاً بمحكمة قنا وجمارك السويس والإسكندرية ثم بعد ذلك موظفاً بمنظمة التضامن الأفروآسيوي,ولكنه كان دائماً ما يترك العمل وينصرف إلى كتابة الأشعار.
كمعظم أهل الصعيد ،شعر أمل دنقل بالصدمة عند نزوله إلى القاهرة في أول مرة ،وأثر هذا عليه كثيراً في أشعاره ويظهر هذا واضحاً في أشعاره الأولى.
مخالفاً لمعظم المدارس الشعرية في الخمسينيات من القرن الماضي ،استوحى أمل دنقل قصائده من رموز التراث العربي ،وقد كان السائد في هذا الوقت التأثر بالميثولوجيا الغربية عامة واليونانية خاصة.
عاصر أمل دنقل عصر أحلام العروبة والثورة المصرية مما ساهم في تشكيل نفسيته ، وقد صدم ككل المصريين بانكسار مصر في1967، وعبر عن صدمته في رائعته "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، و مجموعته "تعليق على ما حدث ".
شاهد أمل دنقل بعينيه النصر وضياعه,وصرخ مع كل من صرخوا ضد معاهدة السلام,ووقتها أطلق رائعته "لا تصالح"والتي عبر فيها عن كل ما جال بخاطر كل المصريين ، والعرب كذلك، ونجد أيضا تأثير تلك المعاهدة و أحداث يناير 1977 واضحاً في مجموعته" العهد الآتي"."
كان موقف أمل دنقل من عملية السلام سبباً في اصطدامه في الكثير من المرات بالسلطات المصرية، وخاصة أن أشعاره كانت تقال في المظاهرات على ألسن الآلاف.
عبر أمل دنقل عن مصر وصعيدها وناسه ،ونجد هذا واضحاً في قصيدته "الجنوبي" في آخر مجموعة شعرية له"أوراق الغرفه 8" .
عرف القارىء العربي شعره من خلال ديوانه الأول "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" (1969) الذي جسد فيه إحساس الإنسان العربي بنكسة 1967 وأكد ارتباطه العميق بوعي القارىء ووجدانه.

صدرت له ست مجموعات شعرية هي:


البكاء بين يدي زرقاء اليمامة - بيروت 1969.
تعليق على ما حدث - بيروت 1971.
مقتل القمر - بيروت 1974.
العهد الآتي - بيروت 1975.
أقوال جديدة عن حرب البسوس - القاهرة 1983.
أوراق الغرفة 8 - القاهرة 1983.
كلمات سبارتكوس الأخيرة.
من أوراق أبو نواس
.



أصيب أمل دنقل بالسرطان وعانى منه لمدة تقرب من ثلاث سنوات، وتتضح معاناته مع المرض في مجموعته "اوراق الغرفه 8"وهو رقم غرفته في المعهد القومي للأورام والذي قضى فيه ما يقارب ال 4 سنوات,وقد عبرت قصيدته (السرير )عن آخر لحظاته ومعاناته.
لم يستطع المرض أن يوقف أمل دنقل عن الشعر حتى قال عنه أحمد عبد المعطي حجازي : ((إنه صراع بين متكافئين ،الموت والشعر)) .

رحل أمل دنقل عن دنيانا في الحادي والعشرين من مايو 1983 لتنتهي معاناته في دنيانا مع كل شيء.


_______________________

المصدر : ويكيبيديا
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%...86%D9%82%D9%84

مع قليل من التصرف .
التوقيع :



شكراً لـ الماضي الجميل
  رد مع اقتباس
قديم 18-10-2007, 11:59 PM   #2
أبو وائل
الحمد لله ..
 
الصورة الرمزية أبو وائل
افتراضي

وآآآه يا أمل دنقل
أتعلم الحبيب نزار
سميت نفسي يوما به
أمل
حتى قالوا لي لماذا تتسمى بمسمى أنثى!
فغيّرته من أمل
إلى الأمــل
وكان المقصود هو هذه الشخصية التي احبها وأتتبعها
أمل دنقل

فقط سأغرس وردة في حرثك الأدبي المحبب لديّ َ
الود
التوقيع :
ما أقربك يا الله ..
  رد مع اقتباس
قديم 19-10-2007, 12:03 AM   #3
نزار عوني اللبدي
مشرفين
 
الصورة الرمزية نزار عوني اللبدي

الجنس :  ذكـــر
الدولة :  عمان - الأردن
هواياتي :  انتظار ما تأتي به الأيام
نزار عوني اللبدي is on a distinguished road
نزار عوني اللبدي غير متواجد حالياً
افتراضي



أمل دنقل :
جدار في الظهر
سيف في الصدر



بقلم : قاسم حداد



تشبثوا بآمالكم، فإن أمل دنقل قد مات. ومن لديه أمل فليعض عليه بالنواجذ. هاهي آمال الشعر العربي تغادر.. وتتسرب من بين أيدينا واحداً بعد الآخر.
هل أمل دنقل آخرها / أول الذين /
( لا وقت للبكاء
فالعلم الذي تنكسينه.. على سرادق العزال
منكس في الشاطئ الآخر.. والأبناء يستشهدون كي يقيمون.. على تبة
العلم المنسوج من حلاوة النصر ومن مرارة النكبة خيطاً من الحب.. وخيطين من الدماء )
قال ذلك عند وفاة عبدالناصر / كأنه يقولها لنا الآن، فهو لم ينس الحياة حتى وهو بين فكي الموت.
عندما مات انهالت مئات المقالات بسرعة البرق للحديث عن شاعر مات. حتى نكاد نشعر بأن بعض هذه المقالات فرحة لأنه مات.

لماذا الآن يصير الشاعر جديراً. ويسمعه الناس ؟
هانحن ندخل في واحدة من محن الشاعر العربي الجديد. أمل دنقل لم يعرفه طوال تجربته الشعرية ربع عدد الذين يعرفون / يعرفونه الآن.. بعد /
نحن أمة تقدس الموتى. موتاها خاصة. بل أننا أمة تقتل مبدعيها لتقدسهم. إن الفرق / المفارقة بين إهمال الشاعر ومحاصرته إلى درجة الحرب أثناء حياته، وبين الاهتمام والاحتفاء إلى درجة التقديس بعد موته، مسألة مثيرة وجديرة باكتشاف النفسية العربية تجاه المبدعين الأحياء / الأموات.
أمل دنقل، جاء. صرخ في العالم المستكين، لم يعبأ بصوته أحد. ما همه أحد. كتب أجمل الأشعار ومات.
(أمثل ساعة الضحى بين يدي كافور ليطمئن قلبه، فما يزال طيره المأسور لا يترك السجن ولا يطير
أبصر تلك الشفة المثقوبة


ووجهة المسود، والرجولة المسلوبة.
.. أبكي على العروبة)
* الصعيد المصري / محافظة قنا / قرية القلعة / 1941. ولد دنقل. كيف نتخيل طفلاً يرى النور للمرة الأولى في (قلعة/ و إن مجازاً) - حمل الشاعر قلعته معه. في دمه / كلماته. واشتغل طوال الوقت على كسر هذه القلعة. بدون ضجيج جاء إلى الشعر العربي من صعيد مصر، وكتب قصيدته المختلفة. كسر جدران قلعته في القصيدة، كما لم يعهد الشعر المصري القصائد، ولم يعهد الكسور.. بهذا الشكل. قصيدته تكتظ بالواقع، بالعذاب الذي رآه في المدينة أكثر تعقيداً من عذاب القرية. هناك صورة العذاب واضحة، مباشرة حتى البساطة. في المدينة بدأ الصراع على درجة من التعقيد إلى الحد الذي يتطلب قوة أسطورية لدى الشاعر لكي يعبر الجحيم. يحترق فيه دون أن يتلاشى. كان فلاحاً هادئاً يمكن أن تلمس هدوءه في موسيقى القصيدة. في قافيتها خاصة. والمدينة صاخبة /
(كنت لا أحمل إلا قلماً بين ضلوعي
كنت لا أحمل إلا.. قلمي
في يدي : خمس مرايا
تعكس الضوء (الذي يسري إليها من دمي)
.. (افتحوا الباب)
فما رد الجرس
- (افتحوا الباب.. أنا أطلب ظلاً..)
قيل : (كلا).
1958 / دخل كلية الآداب. جامعة القاهرة. لمدة عام واحدة فقط. كأنه ليس مهيأ لشيء سوى الشعر، المهمات والواجبات التي تتطلب جلوساً في المقعد لا تليق به.
عاد إلى محافظة قنا. عمل موظفاً في المحمة. لكنه انشغل بالشعر والحياة.
ترك الوظيفة /
(ملك أم كتابة).


صاح بي صاحبي، وهو يلقي بدرهمه في الهواء
ثم يلقفه


(ملك أم كتابه
صحت فيه بدوري
فرفرف في مقلتيه الصبا والنجابه
وأجاب : (ملك)
دون أن يتلعثم.. أو يرتبك
وفتحت يدي
كان نقش الكتابه
بارزاً في صلابة)
انفجر أمل في الشعر الحديث بهدوء. لكن بنوع من السخرية لم تتوفر كثيراً في هذا الشعر. كان الفن عنده يسخر في الجرح ويسخر به معاً. وصارت هذه الخصيصة من أرقى ملامح شعره. وربما وصلت في أحيان كثيرة إلى ذروة المأساة الإنسانية التي تنطوي على قدر كبير من درامية الحياة البشرية. ويستطيع أمل دنقل بجمالية شعرية غاية في الشفافية أن يباغت القارئ بصورة يومية تصعد إلى مستوى الصورة الشعرية الراقية. يحدث هذا من غير أن تفقد الصورة اليومية الشعبية بساطتها، ودون أن يقع في المبالغة الكلاسيكية المعتمة، والتي يحيط الضجيج البلاغي بها. فاللمحة الساخرة عنده تفجر في ذهن القارئ مالا يقاس من المعاني والآفاق الشعرية.


(قيل لي "اخرس".
فخرست، وعميت وائتممت بالخصيان
ظللت في عبيد ( عبس ) أحرس القطعان
أجز صوفها.
أرد نوقها
أنام في حظائر النسيان
طعامي : الكسرة والماء وبعض التمرات اليابسة
وها أنا في ساعة الطعان
ساعة أن تخاذل الكماة والرماة والفرسان
دعيت للميدان
أنا الذي ما ذقت لحم الضان
أنا الذي لا حول لي أو شأن
أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان :
أدعى إلى الموت.. ولم أدع إلى المجالسة).
إنها قصيدة (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) التي كتبها في الأسبوع الأول من هزيمة 67. والتي انتشرت في مصر بالدرجة الأولى، تماماً كما اشتهرت (هوامش) نزار قباني في البلاد العربية. مع أن الشعر عند دنقل وصل إلى مراحل فنية تأخرت (الهوامش) عنها.

هنا السخرية تصير نوعاً من الطقس الحزين الذي يفضح صلاة كانت. من أجل صلاة جديدة. لقد اختصر الشاعر هنا تاريخاً عميقاً من القمع والجوع. فكل كلمة هنا تشتمل على مدلولاتها التاريخية الواقعية. فالإنسان الذي لم يكن يتمتع بالحرية والديمقراطية، هو المطلوب للدفاع عن الوطن. والذي يعرف عمق الإشارة إلى الواقع الاقتصادي، سيكتشف بشاعة الإشارة إلى كلمة (لحم الضمان) / إن أمل هنا يوظف السخرية الشعبية في تفجير الجذور.


الناظر إلى قصيدة دنقل للوهلة الأولى يعتقد ببساطتها البنائية، لكن المتأمل فيها سيكتشف التركيب الإيحائي والعلاقات الجمالية التي لا تزركشهما المبالغات اللغوية. لكن بساطتها تكمن في حساسية خاصة يمتلكها الشاعر تجاه اللغة. لغة بذاكرة غير مقموعة ولا موروثة :
(حين سرت في الشارع الضوضاء
واندفعت سيارة مجنونة السائق
تطلق صوت بوقها الزاعق
في كبد الأشياء :
تفزعت حمامة بيضاء
(كانت على تمثال نهضة مصر
تحلم في استرخاء)
طارت وحطت فوق قبة الجامعة النحاس
لاهثة، تلتقط الأنفاس
وفجأة : دندنت الساعة
ودقت الأجراس
فحلقت في الأفق.. مرتاعة)
عند أمل دنقل تجد المفردات التي لا تتوقع أن تكون بهذا الجمال وهذه الطاقة الشعرية. إنه يتشبث ببساطة المفردة وبشحنها بإيماءات جديدة. كانت الروح الشعبية لديه تتعرض لعذاب الماس في طريق الصقل والبريق. المفردة عنده تلمع وتطلع.

أمل لا يخلق لغة شعرية ساخرة. بل يحول المناخ المفاجئ الذي نعتاده ببساطة لكي يبرق أمامنا بشجن ومرارة ويبدو لا معقولاً. غرابته الساخرة تنبع من العذاب الكبير الذي تجسده المفارقة في الصورة، ومن طاقة المعنى التي تفيض من إطلاق اللغة من إسارها. إنه يدخل اللغة في الحرية :
(أبانا الذي في المباحث. نحن نرعاك. باق لك الجبروت. باق لنا الملكوت
وباق لمن تحرس الرهبوت.


تفردت وحدك باليسر. إن اليمين لفي الخسر
أما اليسار ففي العسر. إلا. الذين يماشون
إلا الذين يعيشون يحشون بالصحف المشتراة العيون.. فيعيشون.. إلا الذين يشون. وإلا الذين يوشون ياقات قمصانهم برباط السكوت.
.. الصمت وشمك. والصمت وسمك.
والصمت. أنى التفت - يرون ويسمك.
والصمت
بين خيوط يديك المشبكتين المصمغتين يلف الفراشة.. والعنكبوت.)
/ القراءة. والقراءة. ثم القراءة. تجعل الشعر يصير أكثر جمالاً وتجعله أفقاً لكشف. الشعر الذي لا يدعوك لذلك / ليس كذلك.
في أوائل الستينات عمل أمل دنقل في مصلحة الجمارك بالسويس. ثم الإسكندرية لكنه ترك الوظيفة. انغمس أكثر في الشعر. (لم أعرف لي عملاً أو مهنة غير الشعر. لم أصلح في وظيفة. ولم أنفع في عمل آخر. وأخشى أن أتهم باستخدام الكلمات الكبيرة إذا قلت أنني كنت راهباً في محراب الشعر وحده. ولقد اكتشفت الآن أن الفن والأدب على إطلاقهما لا يقبلان بغير هذه الرهبنة.)
أنت لا تستطيع أن تكون موظفاً وكاتباً أو صحفياً وشاعراً. الكتابة موقف متصل.
أن تكون أو لا تكون. تكتب أو لا تكتب.


على نقيض ما يقول به شكسبير وحين طرح علي هذا السؤال، لم أفكر فيه أبداً. ولم أختر الإجابة. فلقد وجدت نفسي منساقاً إلى محراب الشعر. لا أفكر فيما عداه. فلم يكن في شواغلي أن تكون لي وظيفة أو بين أو ثروة. قلت أو كثرت. بل شاغلي أن أعيش لحظة الإيقاع النادرة بين نثر الحياة اليومية وتوتر الشعر).
الآن. أكتشف الآن. وكم تأخر هذا الاكتشاف. فهذا الكلام هو كلامه الأخير قبل ثلاثة أيام من الموت. هل كان عليه أن يدفع سنوات عمره كاملة ليكتشف هذه الحقيقة / يكشفها للعالم ؟
انشغل بأن يعيش لحظة الإيقاع النادرة.

وللدارس أن يكتشف جماليات هذه اللحظة التي امتدت في قصيدة أمل.
البنية الإيقاعية في شعر أمل ليست شكلاً. إنها أحد عناصر حياة المضمون بالذات. الإيقاع هو النسيج الخاص الذي غزله أمل برهافة لا تتيسر إلا لشاعر مبدع. يتميز بحساسية عظيمة تجاه اللغة.
وللدارس أن يكتشف أيضاً أن هذا الشاعر كان مولعاً بالإيقاع وهائماً به. بل يمكن أن نلمس أنه خالق خاص للإيقاع المختلف. وإذا لم يكن قارئ قصيدة أمل على درجة من الحس الموسيقي فإنه سيفقد سر الحيلة الإيقاعية التي تبتكر باستمرار الشاعر بقدرته الفائقة يكاد يمحو حدوداً واقعية بين النثر والوزن. وربما صارت هذه الحدود وهماً. إنه لا يعنى كثيراً بوزن الشعر، لكنه يحتفي بإيقاع الروح. روح الشعر والإنسان معاً. فإذا أنت لم تفهم حيلته الفائقة فسوف تقع في النثر. رغم تكرار القوافي التي تتداعى أحياناً كأنها الأشلاء من جسد يحترق.

(قلت : فليكن الحب في الأرض، لكنه لم يكن !
قلت : فليذب النهر في البحر، والبحر في السحب،
والسحب في الجدب، والجدب في الخصب،
ينبت خبزاً ليسند قلب الجياع، وعشباً لماشية الأرض، ظلاً لمن يتغرب في صحراء الشجن).
ويستطيع أمل دنقل أن يفاجئ القارئ بإيقاعات غير متوقعة، فأحياناً تتلاحق القوافي (جديدة الصياغة) بتداعيات شعورية تحمل القارئ إلى ذروات متدافعة كأنها الصهيل الكثير الذي يسبق شراسة الحرب.
(أسأل يا زرقاء..
عن وقفتي العزلاء بين السيف والجدار
عن صرخة المرأة بين السبي والفرار
كيف حملت العار
ثم مشيت دون أن أقتل نفسي دون أن أنهار.
وأحياناً تتباعد القافية في القصيدة، حتى نكاد لا نلمح لها سوى تردداً واحداً.
كأن نقرأ (الوشاح) في بداية المقطع ونلتقي في آخر المقطع بكلمة (الصباح).
(أيها الواقفون على حافة المذبحة
أشهروا الأسلحة
سقط الموت، وانفرط القلب المسبحة
والدم انساب فوق الوشاح
المنازل أضرحة
والزنازن أضرحة
والمدى.. أضرحة
فارفعوا الأسلحة
واتبعوني
أنا ندم الغد والبارحة
رايتي : عظمتان.. وجمجمة
وشعاري : الصباح).
أثناء ذلك. نحن لا نتوقع أن تكون هذه القافية (الوشاح / الصباح) بالذات هي عمودي الهيكل الشعري للقصيدة اللذين ينهضان ببنية المناخ العام. ولنا أن نتأمل الجمال الداخلي الذي خلقته القافية الصغيرة المترددة (أضرحة) بإيقاع خاص مختلف.


إن الشاعر لا يبدو أنه يحتفي بالقافية إلى درجة الافتعال إنها ترد أمامه عفو الخاطر. وإذا دخلت الصنعة، فإنها تدخل بشفافية لا تخدش متعتنا الشعرية.
بساطة أمل في شكل قصيدته الفني تنطوي على الجمال الذي لا يتكرر، بمثل هذه العناصر، في تجربة سواه الفنية، إنه نسج وحده حقاً. ويمثل نموذجاً للبساطة المستحيلة.
(في الفندق الذي نزلت فيه قبل عام
شاركني الغرفة
فأغلق الشرفة
وعلق (السترة) فوق المشجب المقام
وعندما رأى كتاب (الحرب والسلام)
بين يدي : أربد وجهه..
ورف جفنه.. رفه
فغالب الرجفة
وقص عن صبية طارحها الغرام
وكان عائداً من الحرب.. بلا وسام
فلم تطق.. ضعفه
ولم يجد - حين صحا -
إلا بقايا الخمر والطعام.
ثم روى حكاية عن الدم الحرام
(.. الصحراء لم تطق رشفه
فظل فيها، يشتكي ربيعه صيفه)
وظل يروي القصص الحزينة الختام
حتى تلاشى وجهه
في سحب الدخان والكلام
وعندما تحشرج الصوت به، وطالت الوقفة
أدرت رأسي عنه.
حتى لا أرى دمعته العفَّه
ومن خلايا جسدي : تفصد الحزن..
وبلل المسام
وحين ظن أنني أنام
رأيته يخلع ساقه الصناعية في الظلام
مصعداً تنهيدة..
قد أحرقت جوفه).

جاء أمل دنقل إذن من صعيد مصر. ليفتح الطريق أمام الجيل الجديد في الشعر المصري بعد عبدالصبور وحجازي. واستطاع بجدارة فنية أن يكون صوتاً خاصاً مختلفاً وقادراً.. منذ (زرقاء اليمامة). كان حراً بما لا يقاس في تجربته الفنية. وهذا ناتج في تقديري من حريته الفكرية فهو لم يقع تحت وطأة المنظورات السياسية الجاهزة في الفن. فهو الشاعر الوحيد الذي كان يستطيع أن يقول في أجمل قصائده وأكثرها جرأة :
لا تحلموا بعالم سعيد
فبعد كل قيصر يموت
قيصر جديد
(زرقاء اليمامة)
هذه الفكرة الفاجعة تتطلب جرأة كبيرة لتواجه مهرجانات الأمل الكاذب الذي أقيم لينتشل الانسان العربي من هزائمه التي لم تكن حزيران آخرها. وفي مصر بالذات يشكل إطلاق هذه الفكرة موقفاً مرشحاً لتهمة اليأس. والشاعر التقدمي - حسب النظرة السائدة - ليس له أن يكون يائساً. غير مصرح له بالشعور باليأس. أعتقد أن الشاعر الجزائري محمد حديبي الذي قال مرة (قليل من اليأس يجب أن يضاف إلى القصيدة) /.

أمل دنقل كان يائساً كل هذا اليأس الخلاق. كان يائساً بصدق ولم يكن مستعداً لخيانة شعوره في تلك اللحظة التاريخية.
كان إنسانا خلاقاً. مادام اليأس شعوراً طبيعياً، فمن المتوقع أن يمر به الانسان، تماماً مثلما يمر بلحظات الأمل.

أن يكتب الشاعر يأسه، يعني أنه يواجه تجربته بصراحة الشعر وقدرته على نفي اليأس، فبمجرد أن يكتب
الشاعر القصيدة فانه ليس معرضاً للوقوع ضحية لليأس. وأمل دنقل بالذات، وهو المأخوذ بحلم الانسان، كان جديراً بمصارعة اليأس طوال حياته، لكن دون أن يسقط في مستنقع الأمل الكاذب.
(قلت لكم مراراً
أن الطوابير التي تمر في استعراض
عيد الفطر والجلاء
(فتهتف النساء في النوافذ انبهاراً)
لا تصنع انتصاراً
إن المدافع التي تضوي على الحدود في الصحارى لا تطلق النيران.. إلا حين تستدير للوراء
إن الرصاصة التي ندفع فيها ثمن الكسرة والدواء
لا تقتل الأعداء
لكنها تقتلنا.. إذا رفعنا صوتنا جهاراً
تقتلنا، وتقتل الصغارا
قلت لكم
لكنكم.. لم تسمعوا هذا العبث
ففاضت النار على المخيمات
وفاضت الجثث
وفاضت الخوذات والمدرعات).
في خريف،1976 ذهبت صحفية من القسم الثقافي بجريدة (الأخبار) لتجري حواراً مع أمل دنقل، في مقره الدائم بمقهى ريش. وكان هذا اللقاء ولادة الحب الذي تحول سريعاً إلى خطوبة وزواج عام 78. كانت الصحفية هي عبلة الرويني.

ولأن الشاعر لم يكن يملك سكناً للزواج، ولا مالا ليهيئ هذا السكن، فأقام مع عروسه في غرفة بفندق بشارع 26 يوليو منذ بداية عام 1979.

ولد أمل بعيب في إحدى خصيتيه، وفي سن التاسعة أجريت له عملية جراحية في محافظة قنا. ويبدو أن العملية كانت فاشلة وفي هذه الحالات، إذا لم تنشط الخصية المريضة فإن المريض معرض للإصابة بالسرطان في سن الأربعين. وهذا بالضبط ما حدث. فمنذ ثلاث سنوات بدأ السرطان يهاجم أمل فدخل المستشفى للعلاج، وكان لا يملك نقوداً لمثل هذا العلاج الباهظ /
(أيها السادة : لم يبق اختيار
سقط المهر من الإعياء
وانحلت سيور العربة
ضاقت الدائرة السوداء حول الرقبة
صدرنا يلمسه السيف..
وفي الظهر الجدار)
فكتب يوسف إدريس مقالاً يطالب الدولة بعلاج الشاعر على نفقتها وبدأت حملة لعون الشاعر من قبل الأصدقاء والمحبين في أماكن عديدة من البلاد العربية. وعندما تعهدت الدولة بالعلاج. طلب أمل من الأصدقاء التوقف عن حملة المساعدة. لكنها لم تتوقف. كان لا يريد أن يشغل الناس بمرضه. إلى أن /
(لقد توقف العلاج، وهذا يعني أن القارب قد وصل إلى الشاطئ الآخر. أو قارب على الوصول. وأنا الآن لا أحب أن أتحدث عن مرضي، فهو قضية شخصية يجب ألا تشغل أحداً سواي)
وبعد ثلاثة أيام.. وصل القارب إلى الشاطئ الآخر. فقد /
(كان نقاب الأطباء أبيض
لون المعاطف أبيض
تاج الحكيمات أبيض
الملاءات
لون الأسرة
أربطة الشاش والقطن
قرص النوم
أنبوبة المصل
كوب اللبن
كل هذا يشيع بقلبي الوهن
كل هذا البياض يذكرني بالكفن
فلماذا إذا مت
يأتي المعزون متشحين بشارات لون الحداد
هل لأن السواد
هو لون النجاة من الموت
لون التميمة ضد الزمن).


حتى إذا مات. كمن يدخل باباً انتظر عنده طويلاً بعذاب. يدخله بهدوء. ولا نكاد نعرف من الذي ارتاح من هذا الدخول. هل الشاعر من الموت / أم الموت من الشاعر :
(كان أمل جميلاً حتى في الموت. كان أصدقاؤه يقولون له تحمل يا أمل الألم. قاومه. وكان يرد : أنا لا أملك إلا أن أقاوم. كان يقول لي : أنا لا أخاف الموت لكن أخاف العجز. عندما عجز أمل عن الحركة قبل وفاته بثلاثة أيام، وأصيب بشلل في كل جسمه، أدركت أنه قد مات. طوال فترة مرضه لم يتخل عن دعابته وسخريته مع أصدقائه الذين كانوا يزورونه. والذين لم يفارقونه في الفترة الأخيرة. عبدالرحمن الأبنودي. الدكتور جابر عصفور. الدكتور عبدالمحسن طه بدر. فاروق شوشة. كان يوصيهم أن يتماسكوا ساعة الموت. إن أمل إن كان قد عاش طوال السنة الأخيرة فهذا بسبب حب الناس له)
(الزوجة)
/ (آه.. سيدتي المسبله
آه.. سيدة الصمت واللفتات الودود
لم يكن داخل الشقة المقفلة
غير قط وحيد
...
آه.. سيدة الصمت والكلمات الشرود
آه.. أيتها الأرملة) /
(وقبل حوالي ثلاثة أشهر أدرك بشفافيته أن أيامه معدودة فقال لزوجته ولي سيناريو كامل لما يريد بعد وفاته. قال كل ماله وما عليه. طلب أن يدفن أمام مقبرة أبيه في قريته. وعندما ذهبنا لدفنه وجدنا (مصلى) في المكان الذي حدده فاستأذنا وحفرنا له فيها قبره. لقد صعقت وأنا أشاهد جسده عندما غسلناه بعد وفاته. كان جسداً متحللاً. كيف عاش هذا تحت هذا الجسد ؟ أليست معجزة.).
(عبدالرحمن الأبنودي)
أعرف أن العالم في قلبي مات
لكن حين يكف المذياع.. وتنغلق الحجرات
أنبش قلبي، أخرج هذا الجسد الشمعي وأسحبه فوق سرير الآلام
أفتح فمه، أسقيه نبيذ الرغبة
فلعل شعاعاً ينبض في الأطراف الباردة الصلبة
لكن.. تتفتت بشرته في كفي
لا يتبقى منه.. سوى جمجمة.. وعظام).
الشاعر محمد الماغوط قال لبدر شاكر السياب بعد موته : (تشبث بموتك أيها المغفل).
الآن / أمل دنقل كان طوال السنوات الأخيرة يتشبث بحياة أرحم منها الموت، ولم يكن مغفلاً.
بين السياب وأمل لم يتغير الحال العربي كثيراً. تفسخ أكثر. انهار أكثر. ولم يبق سوى أن يموت لنا أمل. صار الإنسان (الشاعر خاصة) أكثر هامشية من حذاء المشروع العربي. وغم ذلك كان أمل شجاعاً أكثر من السياب.
الذي يقرأ الشعر يعرف / سيعرف ذلك جيداً.
إن ضعف السياب كان نابعاً من عذاب الأرجوحة التي وجد نفسه فيها. فقد انغمس السياب في أرجوحة السياسة العربية ففقد حريته الخاصة. صادرت السياسة حرية الشاعر الداخلية. تأرجح بعذاب كبير قبل المرض. تبع هذه المنظومة الفكرية حيناً، وتلك المنظومة الفكرية حيناً آخر.
عذاب الأرجوحة هذا هو الذي أفسد (يفسد) قدرة الشاعر على التمتع بحريته الداخلية، وأدخله في المأزق.
أمل دنقل ظل طوال الوقت يخوض / يجتاز السياسة العربية بساقين طويلتين. يرى إلى السياسة بنظرة الطائر الذي يكتشف الواقع بسيطرة القادر. ويملك حريته في نفس الوقت. حريته في الطيران عابراً فسحة الأفق الأوسع من السياسة. وكانت حيلته جميلة وقادرة :
(حاربت في حربهما
وعندما رأيت كلا منهما.. متهماً
خلعت كلا منهما
كي يسترد المؤمنون الرأي والبيعة
لكنهم لم يدركوا الخدعة)
هذا هو الفرق بين عذاب الحرية لدى أمل، وبين عذاب الأرجوحة لدى السياب.
عذابان هيئا للشعر العربي الحديث تجربتين من أجمل التجارب الشعرية المعاصرة، ومن أكثرها صدقاً وأصالة.

السياب ودنقل قتلهما المرض. لكن الأول عانى من عذاب الأرجوحة أكثر من عذاب المرض. وعانى الثاني من عذاب المرض أكثر من عذاب الأرجوحة. ويمكننا اعتبار هاتين التجربتين صورة تجسد محنة الشاعر العربي المعاصر. وتفضحها في نفس الوقت.
(الشاعر له وظيفة اجتماعية أساساً. لابد له من موقف اجتماعي. الموقف السياسي تال لذلك. الموقف الاجتماعي الأشمل من قضايا المجتمع وقضايا العصر الذي نعيش فيه.
وليس معنى هذا الموقف أن يصدر الشاعر عن حماس تبريري أجوف للأحداث المؤقتة والعابرة، حتى ولو كانت أحداثاً كبيرة. وكل الشعر الذي ظهر وتبنى شعارات سياسية زاعقة بشكل مباشر هو شعر انتهى من ديوان العرب بعد أن كنسته الأيام. كذلك أكثر الشعر الذي ينشر في أغلب الأحيان. ونجده مجرد ترجمة لمانشيتات الصحف، كتلك القصائد التي تكتب عن المشروعات العمرانية، أو دخان المصانع. أو الإنجازات الوطنية. هذا كله ليس شعراً، حتى وان حمل كل مقومات الشعر. إنه شعر ساذج لا يبقى لأنه شعر ترديدي موقوف بالمناسبة التي قيلت فيه. إذ الشاعر هنا ليس أكثر من ناظم، أو حرفي، يعيد صياغة أفكار جاهزة.
وليست تلك وظيفة الشعر أو الشاعر. إن الشاعر يطمح إلى ما هو أبعد من الواقع حتى لو كان الواقع الذي يعيشه الشاعر رائعاً وجميلاً. فإنه يطمح إلى الواقع - المثال. الأكثر روعة وجمالا.
من ها فإن الشاعر يطمح إلى تحقيق المعادلة المستحيلة تلك التي يريد فيها أن يجعل الواقع شعراً، والشعر واقعاً. ولكن الواقع دائماً وأبداً لا يسعف الشاعر بهذه الصورة. ولهذا يجد الشاعر نفسه منحازاً إلى الحلم ضد الواقع).

(الشاعر في الأسبوع الأخير)
جاء من صعيد الأرض. كتب شعراً جميلاً كثيراً، ومات. في حياته طبع كل شعره خارج بلاده، بعد وفاته، ومن خلالها سيطبع شعره في بلاده.
لقد مات. لذلك فهو الآن يستحق التكريم.
لكن / ينبغي أن نتشبث بآمالنا.. فإن أمل دنقل قد مات.*

مجلة (الدوحة) - قطر

_________________________________

المصدر :

http://www.qhaddad.com/nass/nas-3.htm
التوقيع :



شكراً لـ الماضي الجميل
  رد مع اقتباس
قديم 19-10-2007, 12:08 AM   #4
نزار عوني اللبدي
مشرفين
 
الصورة الرمزية نزار عوني اللبدي

الجنس :  ذكـــر
الدولة :  عمان - الأردن
هواياتي :  انتظار ما تأتي به الأيام
نزار عوني اللبدي is on a distinguished road
نزار عوني اللبدي غير متواجد حالياً
افتراضي

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابـو وائـل مشاهدة المشاركة
وآآآه يا أمل دنقل
أتعلم الحبيب نزار
سميت نفسي يوما به
أمل
حتى قالوا لي لماذا تتسمى بمسمى أنثى!
فغيّرته من أمل
إلى الأمــل
وكان المقصود هو هذه الشخصية التي احبها وأتتبعها
أمل دنقل

فقط سأغرس وردة في حرثك الأدبي المحبب لديّ َ
الود


أبا وائل ،،

أختارهم من وجعي ،،

أتدري يا صديقي ،،
سأطلب منك أن تبحث عن العامل المشترك بين من قدمتهم هنا في سمر
من هؤلاء الأعلام ،،
ابحث ، وأخبرني ..

بكل الحب
التوقيع :



شكراً لـ الماضي الجميل
  رد مع اقتباس
قديم 19-10-2007, 12:12 AM   #5
نزار عوني اللبدي
مشرفين
 
الصورة الرمزية نزار عوني اللبدي

الجنس :  ذكـــر
الدولة :  عمان - الأردن
هواياتي :  انتظار ما تأتي به الأيام
نزار عوني اللبدي is on a distinguished road
نزار عوني اللبدي غير متواجد حالياً
افتراضي

يصر أمل دنقل علي رسم شجرته العائلية وتتبع أنسابها ، مؤكدا جذوره العربية ، منتسبا لقبيلة ( الإمارة ) تلك القادمة عبر البحر الأحمر _ زمن الفتح العربي _ لتسكن قلعة الجنوب .

في قرية القلعة مركز (فقط ) وعلي بعد عشرين كيلو مترا إلي الجنوب من مدينة قنا ولد أمل دنقل في 23/ 6 / 1940 .. نفس العام الذي حصل فيه والده علي ( إجازة العالمية ) من الأزهر ، وتيمنا بالنجاح الذي لم يحصل عليه أحدا من قبل في العائلة أو القرية ، أطلق اسم (أمل ) علي مولودة الأول .
وفي القلعة فرضت الطبيعة الجغرافية الحارة ، الحادة في تضاريسها ذلك الحسم والوضوح المميز في شخصية أمل دنقل .. وفرضت أيضا ( الكتابة ) كاختيار طبيعي في تلك البيئة البعيدة والمعزولة عن مركزية الثقافة في القاهرة العاصمة .. وكانت مكتبة والده الدينية أول مصادره الثقافية ، بما احتوته من كتب الشريعة والفقه والتفسير ، وما ضمته من كتب التراث والشعر العربي القديم . هذا ما تؤكده القصيدة أيضا ، منذ خرج أمل دنقل علي الميثولوجيا الإغريقية والغربية ،التي سادت في رموز الشعر بالخمسينيات ، وخرج علي ما يسمى بالمصرية والشعبية مستخدما رموز التراث العربي من وقائع وأساطير وشخصيات عربية وإسلامية ،تأكيدا لهويته القومية وسعيا إلي تنوير القصيدة وتحديثها ..هكذا عرفه القارئ من خلال ديوانه الأول ((البكاء بين يدي زرقاء الحمامة )) والذي صدر في بيروت عام 1969 ، وجسد فيه إحساس الإنسان العربي بنكسة 1967 ..ومنذ ذلك الحين عرف كشاعر النبؤة ، الأمر الذي تأكد في قصيدته ((مقتل كليب )) الشهيرة (( بلا تصالح )) والتي كتبها في نوفمبر 1976 بعد توقيع اتفاقية فصل القوات بين
مصر وإسرائيل .

عرف أمل دنقل بالتزامه القومي وقصيدته الرافضة , لكنه لم ينضم يوما إلي جماعة أو حزب سياسي , مؤمنا بحريته الفكرية والتي شكلت الأفكار الماركسية والوجودية الكثير من خطوطها .
إنه ضد المؤسسات من حيث هي مؤسسات , وضد الأحزاب من حيث هي أحزاب , وحتى لو وجدت المؤسسة الثورية السليمة , لصعب عليه الاندراج فيها فالأحزاب لديه كانت تعني دائما اليقيني والثابت وهو الذي ظل طوال حياته ضد اليقيني والثابت والأفكار الساكنة ... كما أن الشعر في داخله كان يدفعه إلي تجاوز كل يقين مؤقت إلي عوالم جديدة , ولهذا وقف دائما مع ( الحلم ) ضد ( الواقع ) ومع الآتي ضد الحاضر ,مكونا حزبا شعريا علي الآخرين أن يتبعوه ويسيروا وراءه .
كان صوته الرافض يضعه في تناقض جذري مع المؤسسات والجماعات الرسمية , وكانت حريته تحول بينه وبين الانضمام للأحزاب المعارضة بينما قصائده تتحول في كثير من الأحيان إلي منشور شعري لكل حركة ثورية ... عندما كتب قصيدته الشعرية
الشهيرة ( الكعكة الحجرية ) تحولت فور كتابتها عام 1972 إلي منفستو للحركة الطلابية , وأدي نشرها الأول في مجلة ((سنابل ))
والتي كان يصدرها الشاعر محمد عفيفي مطر في محافظة كفر الشيخ إلي إغلاق المجلة ... وظل أسمه ممنوعا من أجهزة الأعلام الرسمي أكثر من عشر سنوات , بل تم عزله من الاتحاد الاشتراكي
العربي , رغم أنه لم يكن عضوا فيه ... سنوات لم يستطيع أمل دنقل نشر قصائده داخل مصر , فصدرت كل مجموعاته الشعرية في بيروت .. ((البكاء بين يدي زرقاء اليمامة )) 1969 , (( تعليق علي ما حدث )) 1971 , (( مقتل القمر )) 1974 , ((العهد الآتي )) 1975 , .. لكن بعد وفاته ولأول مرة صدرت له في القاهرة
(( أقوال جديدة عن حرب البسوس )) 1983 , (( أوراق الغرفة )) عن الهيئة العامة للكتاب .-



عرف أمل دنقل بشاعر الرفض , لكن القيمة الحقيقية في تجربته
الشعرية ليست متعلقة بمضمون الثورة , ولكن بقدرة هذا الشعر غلي التنوير .. كما أن الاتجاه السياسي الذي تفصح عنه قصيدته ما لا يمكن أن يكون صحيحا إلا إذا كان اتجاهها الفني صحيحا أيضا .. هكذا أدرك أمل دنقل دوره كشاعر يتحقق كيانه الحقيقي داخل القصيدة من حيث هي قصيدة فنية تخدم قضايا المجتمع , ويتحقق خلالها سعيه الدائم إلي الحرية .

حدد أمل دوره وملامح تجربته الشعرية , حين رأي أن الشاعر مطالب بدورين .. دور فني بأن يوظف فنه لخدمة القضية الوطنية وخدمة التقدم , لاعن طريق الشعارات السياسية والصراخ والصياح وإنما عن طريق اكتشاف وكشف تراث الأمة وإيقاظ إحساسها بالانتماء وتعميق أواصر الوحدة بين أقطارها .

عاش أمل حياة البسطاء , يحمل بؤس الفقراء والمطحونين ويمتلك معهم الكثير من المعاناة والعذاب الطويل .. في العاشرة من عمرة عرف فقد الأب , فعلمه اليتم والألم والمرارة أن يصبح رجلا صغيرا مسئولا عن أمه وشقيقيه .. ترك الدراسة بعد إتمام الدراسة الثانوية , فلم تسمح ظروفه الاقتصادية من استكمال دراسته في كلية الآداب جامعة القاهرة , فتركها بعد عامه الأول فيها ... ولم تسمح له الوظائف الصغيرة بتحقيق استقرار معيشي خاصة وهو دائم الفرار من كل وظيفة , حيث لا مكان ولا مكانة لدية إلا للشعر .

لم يعرف طوال حياته منزلا واحدا يمتلكه أو بيتا خاصا يسكن فيه , لكنه عرف كيف يقتسم غرف أصدقائه , حتى صارت جدران غرف المدينة تحمل بعضا من ذكرياته وضحكاته وبعضا من أشعاره وبعضا من كتبه ...

كان أمل ينتمي للشوارع والأزقة والطرقات , حتى إنه ذكر يوما أن تاريخ الأرصفة هو تاريخه الشخصي .. هكذا حرجت مانشيتات الصحف يوم وفاته 21/5/ 1983 , صارخة (( يا شوارع القاهرة مات أمل دنقل )) .... ولعل الانتقال من غرفة إلي أخرى ومن فندق إلي آخر علمه ألا يحب البشر .


_____________________

المصدر :
http://www.kfrawy.com/culture/donkal.htm
التوقيع :



شكراً لـ الماضي الجميل
  رد مع اقتباس
قديم 19-10-2007, 12:16 AM   #6
نزار عوني اللبدي
مشرفين
 
الصورة الرمزية نزار عوني اللبدي

الجنس :  ذكـــر
الدولة :  عمان - الأردن
هواياتي :  انتظار ما تأتي به الأيام
نزار عوني اللبدي is on a distinguished road
نزار عوني اللبدي غير متواجد حالياً
افتراضي

"الجنوبي": سيرة دنقل بقلم زوجته


بقلم : د. منى عرب


رغم أن كتاب "الجنوبي.. أمل دنقل" يبدو للوهلة الأولى سيرة غيرية، إلا أن القارئ، بعد سبر أغواره، ومطالعة صفحاته التي تجاوزت 220 صفحة، يكتشف أنه، بالإضافة إلى ذلك، سيرة ذاتية لعبلة الرويني تحكي فيها تجربتها الشخصية في إطار حديثها عن تجربة أمل دنقل. تلك التجربة الواحدة التي امتزج فيها الاثنان معاً، بحياة تشكلت وفق إيقاعات متنوعة؛ صداقة، حب، زواج، عشق، تكوين عائلة. ولعل هذا الارتباط العميق الذي جمع الاثنين معاً، هو ما جعل نفسيهما نفساً واحدة، ومسيرتيهما مسيرةً واحدة أيضاً.
تتجلى القدرية في السيرة، من خلال حديث الرويني عن مجريات اللقاء الأول الذي جمعها بالشاعر الراحل أمل دنقل في أكتوبر العام 1975، في مقهى "ريش"، حيث كانت عبلة تنوي في بداية عملها بجريدة "الأخبار" إجراء حوار مع أمل، رغم معرفتها مسبقاً بصعوبة نشر هذا الحوار. كان دنقل شاعراً يسارياً، وهو ما أوضحه لعبلة أحد المحررين السياسيين في الجريدة قائلاً: "ربما يمكنهم نشره في طبعة (أخبار اليوم) العربية، فمن الممكن تصدير أمل دنقل عربياً، لكنه غير مسموح باستهلاكه داخل مصر". وقد زادت تلك العبارة من عزم عبلة وتصميمها على حوار أمل وتحدّي سياسة الجريدة: "فلماذا تأخذ الجريدة موقفاً من شاعر؟ بل كيف تأخذ الجريدة موقفاً من عقل الصحفي؟".
وبعد بحثها عن أمل في المقاهي الشعبية، وهي المكان المفضّل لدى الكتّاب والشعراء . تلتقي عبلة به، ويجري الحوار بينهما إنسانياً أولاً قبل أن يكون أدبياً: "قلت: كنت أظنك أكبر قليلاً. ضحك بصوت مرتفع: يبدو أن عندك عقدة ألكترا! ولم أُسْتَفز أيضاً، بل ابتسمت: اطمئن لن أحبك".
وتضيف عبلة: "كان الانطباع الأول الذي كوّنته سريعاً؛ أن هذا الشخص مختلف عن الآخرين، يتكلم لغة أخرى، يسلك سلوكاً آخر، بل ويحسّ أحاسيس أخرى. فمنذ اللحظة الأولى سقطت كل المسافات والادعاءات والأقنعة، وبدا لي وجهُ صديق أعرفه من زمن".
تكمل عبلة حوارها الصحفي مع دنقل، الذي هو أول حوار وآخر حوار يُنشر معه في جريدة "الأخبار". وتتعمق العلاقة بين الاثنين، وتتوالى اللقاءات، ورغم محاولة دنقل ترك مسافة بينه وبينها، إلا أن عبلة تدرك أن هذه المحاولات ما هي إلا اعتراف صريح منه بدفق من العواطف التي تضطرب في قلبه تجاهها. وتكتشف في لحظة تأمل إنسانية أنها هي أيضاً تبادله تلك المشاعر: "قال لي في المرة الرابعة التي التقيت فيها معه، ومن دون أدنى مقدمات: يجب أن تعلمي أنك لن تكوني أكثر من صديقة! حرّك هذا التحذير الاستفزازي انفعالاتي، فبدت عارية: أولاً أنا لست صديقتك، كما أنني لا أسمح لأحد بتحديد مشاعري متى تتزايد أو تتناقص، إنني وحدي صاحبة القرار في علاقاتي بأصدقائي"، وتضيف: "من المؤكد أن أمل أحبني ، وأن غضبي لعبارته يعني أيضاً أنني أحمل له نفس المشاعر".
ووفقاً لمقولة "قل لي من صديقك أقل لك من أنت"، تشير الرويني في "الجنوبي" إلى العلاقات المركّبة التي جمعت أمل بأصدقائه، متوقفةً عند المنظور الإشكالي الذي كان دنقل يرى المحيطين به من خلاله: "إن الضعيف لا أصدقاء له، بينما القوي يتزاحم من حوله الأصدقاء".
فقد احتوت صداقات دنقل، كما توضح الرويني، على كثير من الأشكال المركبة. وكثير من أقنعة الحدّة، والمنازلات الملتهبة، والمشاحنات الكلامية، والمداعبات الشديدة. وقد "ظلت هذه العلاقات شديدة التركيب، حيث تبدو المداعبة حادة بينما يبحث أمل من خلالها عن نوع من الاطمئنان الكامل لا يجده دائماً، أو نوع من الفهم والحب له لم يوفره الآخرون، وربما لم توفره الأيام له شخصياً. ولهذا اتسمت علاقاته دائماً بمزاج ساخر، ومزاج حاد لا يحتوي شراً، بقدر ما يحتوي مرارة الأيام الطويلة". ومن أصدقاء دنقل المقربين، كما توضح الرويني، يحيى الطاهر عبد الله الذي وافته المنية إثر حادث سير ولم يشترك دنقل في مراسم غيابه وكان يقول: "إن يحيى خاص بي وحدي". والدكتور يوسف إدريس الذي جمعت دنقل به علاقة صعلكة، والشاعر نجيب سرور، وجابر عصفور، والكاتبة صافيناز كاظم التي كان دنقل دائم الاستفزاز لها.
أصبح مقهى "ريش" مكانَ اللقاء الدائم، وربما المفضّل، بين العاشقَين؛ أمل وعبلة. رغم ما كانت تبديه عبلة من تحفّظٍ تجاهه في البداية: "أقنعني أمل بالتخلي عن منطقي البرجوازي، وتلك الوثنية التي أمارسها تجاه الأماكن، فلا يوجد مكان نحبه، وآخر نكرهه، هناك فقط شخص يسعدنا الجلوس معه أو لا يسعدنا، وكانت كلماته منطقية وعادلة، فبدا (ريش) معه أجمل وأرقّ الأماكن التي تصلح للقاء عاشقَين".
كانت البرجوازية طريقةً تعيش عبلة في إطارها، لكنها أبداً لم تستحوذ على تفكيرها أو عالمها بالكامل. وهي لذلك كانت مستعدة، كما تقول، لأن تبيع العالم كله من أجل شاعر لم يكن يمتلك غير بنطلون واحد أسود ممزق. "كأن هذا الثقب الناتج من احتراق سيجارة يطل من فوق الركبة، وكان أمل يحاول مداراته دائماً عن عيوني البرجوازية، بينما كنت أبحث دائماً عنه، وأنا أكاد أعتذر عن ملابسي الأنيقة".
لم تكن العلاقة التي جمعت عبلة بأمل، والتي راهن الكثيرون على فشلها، علاقة عادية أو عابرة، ولذا لم يكن من الغريب أن تتّخذ هذه العلاقة فيما بعد، شكلَ الرباط الزوجي المتين، رغم ما كانا يواجهانه من معيقات مادية. يقول أمل: "إنني أتكلم عن راتب شهري يمكن أن يعول أسرة لا بدّ لها أن تأكل وتنام على الأقل. إن اختياراتي ليس عليكِ أن تتحملي تبعاتها وعذاباتها". فترد عبلة: "أمل.. إننا سنتزوج ليس فقط انتصاراً للحب، ولكن، انتصاراً لاختياراتك".
بعد زواجهما، باتا صديقَين لا زوجين، وخرجا على أشكال الزواج التقليدية، حيث أصبح الشارع بيتهما الذي يقضيان فيه جلّ وقتهما. وتصف عبلة علاقتهما الزوجية قائلة: "كان الحب في داخله، وكان التصاقي الشديد به يُشعره كثيراً بالقيد والتوتر والعبء النفسي أحياناً، ولعل مرد ذلك إلى إحساسه العميق الدائم بأنه لم يمنحني راحة، أو أن الحياة ذاتها لم تمنحنا استقراراً".
لم تكن هناك طقوس معينة تلازم دنقل أثناء كتابته للقصيدة، كما توضح عبلة التي رافقته في مشواره الإبداعي والحياتي، سوى توفر السجائر التي ظلت صديقة أمل المقرّبة حتى وفاته. كان مرض السرطان قد بدأ يغزو رئته: "قال له الطبيب: كفّ عن السجائر، قال: إن الكفّ عن السجائر لن يعوق السرطان الهادر في صدري، دعها فهي متعتي الأخيرة".
بدأ السرطان يأخذ من جسد أمل الناحل، فتزداد روحه تألقاً وجبروتاً. وكان يصارع الموت بعناد لا يلين. وكانت مأساة أمل، كما توضح عبلة: "أنه ظل قادراً على حمل البحر، بينما البحر لم يستطع أن يحمله.. أجمل سمكة نادرة في مياهه.. ظل دائماً يبحث عن التوازن الصعب داخل هذا العالم المتواتر والمرفوض حوله، وداخل هذا التناثر الحاد في كيانه حتى انفجر كل شيء.. وتمدد السرطان".
لقد بدأت معاناة أمل مع السرطان بعد مضي تسعة أشهر على زواجه بعبلة، وظل المرض يتمدد، لأن أمل وعبلة لم يكونا يمتلكان "ملّيماً" واحداً من أجرة الطبيب التي بلغت 300 جنيه. وفي ظل الحاجة المادية الملحّة، شعر الاثنان، بجبروت الفقر: "إنها المرة الأولى التي نعرف فيها قسوة الفقر.. المرض هو الحالة الوحيدة على هذه الأرض التي تحول الفقير إلى بائس حين يواجه قدره عاجزاً".
وتروي عبلة قصة علاج دنقل في معهد السرطان، حيث امتدت فترة العلاج لأكثر من سنة ونصف السنة، أعلن الأطباء بعدها، عن حتمية موت أمل. وتسرد عبلة هذه التجربة، بكثير من الحزن، قائلة: "نظر طبيب معهد السرطان إلى تحليل الدم الأخير، ودون أن يدري شيئاً عمّا نعرفه قال: للأسف الشديد لقد أكدت التحاليل إصابتك بالتراتوما، وهو أمر صعب، لم نكن نريده، لكننا سنبذل ما لدينا من أحدث طرق للعلاج". كانت ردة فعل عبلة على كلام الطبيب قوية جداً، ما اضطر الأطباء إلى إخراجها من الغرفة. بينما واصل أمل حديثه مع الطبيب: "لماذا كنتَ قاسياً معها إلى هذا الحد. كان يمكن أن تخبرني وحدي". لقد كان أكثر ما يخشاه دنقل ليس الموت، وإنما بكاء أمه وعبلة عليه.
كان أمل مريضاً استثنائياً، فقد تمت في جسده تجربة علاج إشعاعي هي الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، حصل فيها على أكبر نسبة إشعاع ذري مكثف تُعطى لمريض في جرعة واحدة. وخرج من تلك التجربة منتصراً، غير أن الأمر لم يدم طويلاً، إذ أصيب أمل في النهاية بغيبوبة: "هكذا أعلن أمل الموت، لكنه كطبيعته ما زال حتى النفس الأخير، يحلم بالمقاومة. في منتصف الليل، قبيل وفاته بساعات قليلة، زاره ناصر الخطيب مدير مكتب جريدة (الرياض) بالقاهرة. أيقظ أمل من غيبوبته، وهمس في أذنه باكياً: أمل قاوِمْ. فتح أمل عينيه، وبصعوبة في النطق أجاب: لا أملك سوى المقاومة. ثم راح في غيبوبة".
كثير من الأحداث اليومية والتفاصيل الحميمة، في علاقتها بأمل دنقل ضمّنتها عبلة في "الجنوبي"، كما تحدثت عن مشاكلهما وخلافاتهما التي كانت تزيد علاقتهما الزوجية والإنسانية متانة وصلابة. كما ضمَّنت عبلة في "الجنوبي" قصائد ألقاها أمل في مناسبات مختلفة، كانت تتوقف أحياناً لتنقدها أو تعلّق عليها، أو تشرح الموقف أو المناسبة التي قيلت فيها.
وأخيراً، فإن "الجنوبي" هو بمثلبة هدية حب ووفاء من عبلة الرويني إلى رفيق دربها أمل دنقل الذي لم ينجح الموت في تغييبه، وإنما حوّله إلى صوت قوي صافٍ تصدح الأجيال بشعره.


_____________________

المصدر :

http://www.shrooq2.com/vb/showthread.php?p=116280
التوقيع :



شكراً لـ الماضي الجميل
  رد مع اقتباس
قديم 19-10-2007, 12:21 AM   #7
نزار عوني اللبدي
مشرفين
 
الصورة الرمزية نزار عوني اللبدي

الجنس :  ذكـــر
الدولة :  عمان - الأردن
هواياتي :  انتظار ما تأتي به الأيام
نزار عوني اللبدي is on a distinguished road
نزار عوني اللبدي غير متواجد حالياً
افتراضي



عن دار العودة في بيروت - لبنان ، صدرت الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر ( أمل دنقل ) ، وقد قدم لها الدكتور عبد العزيز المقالح بمقدمة عنوانها ( أمل دنقل... أحاديث وذكريات ) ، سأقتطف منها بعض المقاطع . والطبعة التي أرجع إليها هي الطبعة الثانية ( 1/4/1985) .

ماذا كتب د. المقالح ؟؟؟

لنقرأ :
التوقيع :



شكراً لـ الماضي الجميل
  رد مع اقتباس
قديم 19-10-2007, 12:36 AM   #8
نزار عوني اللبدي
مشرفين
 
الصورة الرمزية نزار عوني اللبدي

الجنس :  ذكـــر
الدولة :  عمان - الأردن
هواياتي :  انتظار ما تأتي به الأيام
نزار عوني اللبدي is on a distinguished road
نزار عوني اللبدي غير متواجد حالياً
افتراضي

( أمل دنقل .. أحاديث وذكريات )


الدكتور عبد العزيز المقالح



لم تكن وفاة أمل دنقل مفاجأة لأحد من الأدباء في الوطن العربي. فقد كان كثير منهم يعيشون على أعصابهم قلقاً وانتظاراً لإعلان نبأ الوفاة. فمنذ ثلاثة أعوام والشاعر الكبير يتعذب ويتساقط قطرة ً قطرة ً ( كـُتب هذا الكلام عام 1985 ، وتوفي الشاعر عام 1983 ) . وكان واضحاً بعد اكتشاف نوع الداء الذي أنشب أظفاره في الجسد النحيل أنه لن يبرح حتى يسلمه للموت، وأنه لا أمل في العلم، وأن أقصى ما يقدمه للإنسان العاجز لا يزيد عن تأخير ساعة الوفاة أو إطالة أيام العذاب.

ومن الملاحظ - ألاحظ ذلك في نفسي - أنه بالرغم من أن وفاة الشاعر الكبير لم تكن مفاجأة إلا أن إعلانها المتأخر قد هز المشاعر وكان بمثابة صدمة عنيفة لأصدقاء الشاعر ومحبيه أفقدهم القدرة على الكتابة الشعرية أو النثرية على حد سواء، وبما أنني أحد أصدقاء أمل دنقل ، وأحد الذين رافقوه وقرأوه عن قرب، فقد أفقدني النبأ المتوقع القدرة على التفكير والقدرة على الإمساك بخيوط التعبير عن ألم الوداع، واكتفيت باسترجاع بعض الأحداديث والتقاط صور بعض الذكريات الغارقة في قاع الذاكرة، وبعض هذه الأحاديث والذكريات يعود إلى أيام قليلة وبعضها يرجع إلى سنوات ، فقد عرفت الشاعر الراحل في أواخر الستينات ( من القرن الماضي ) وقبل أن يظهر ديوانه الأول الذي شغل به الشعراء. وقد ربطت بيننا - منذ أول لقاء - مودة كبرت مع الأيام واتسعت في رحاب الكلمة وزاد تقديري له وإعجابي به عندما أصبح شعره كله صوتاً مكرساً لقضية الشعب العربي في مصر. وبما أن الأحاديث والذكريات عن أمل دنقل الصديق والشاعر كثيرة وحاضرة بكل وقائعها ورموزها فإنني سأحاول اختيار أقلها وأقربها إلى الوجدان العام ، ولأن النهاية دائماً هي الأقرب وهي في حد ذاتها الذاكرة التي لا تمّحي فإننا سنبدأ من النهاية .


../ يتبع
التوقيع :



شكراً لـ الماضي الجميل
  رد مع اقتباس
قديم 19-10-2007, 01:12 AM   #9
نزار عوني اللبدي
مشرفين
 
الصورة الرمزية نزار عوني اللبدي

الجنس :  ذكـــر
الدولة :  عمان - الأردن
هواياتي :  انتظار ما تأتي به الأيام
نزار عوني اللبدي is on a distinguished road
نزار عوني اللبدي غير متواجد حالياً
افتراضي

الحديث الأخير :



حدثني صديق كان في القاهرة منذ أسابيع ( عام 1985 حين كتب الدكتور المقالح هذه المقدمة ) فقال : ذهبت إلى المستشفى الذي يرقد فيه الصديق المشترك أمل دنقل، دخلت الجناح الذي يقيم فيه، سألت إحدى الممرضات عنه فأشارت بيدها نحو غرفة معينة، فتحت الباب ونظرت داخل الغرفة باحثاً عن أمل الذي ودعته منذ خمس سنوات، لم أجده هناك ، رأيت إنساناً لا يمكن أن يكون هو الشخص الذي أعرفه، عدت أدراجي بعد أن أغلقت الباب ورائي وذهبت مرة أخرى إلى الممرضة لأسألها عن غرفة أمل دنقل الشاعر، فأشارت مرة أخرى إلى نفس الغرفة، وعدت لأفتح الباب وأفتش في جوانب الغرفة عن أمل فلم أجده ، وهممت بالتراجع مرة ثانية إلا أن أمل عرفني فناداني باسمي. صوته هو الذي لم يتغير، أما جسمه فقد صار شيئاً آخر، أي عذاب رهيب يفوق الخيال هذا الذي تعرض له الشاعر. هكذا سألت نفسي وأنا أتوجه نحو السرير الذي يرقد عليه، وكنت قد قررت أن أتمالك وأن لا يبدو على وجهي أي تاثر أو انفعال يثير في نفسه الألم، إلا أنني ما كدت أراه بتلك الحال حتى انفجرت باكياً ، و لكنه قابل بكائي بابتسامة عريضة ثم سألني : لماذا تبكي ؟ أتخاف علي من الموت ، إنها منيتي المفضلة، إنه الأمل الأخير ، الطبيب الذي يتفوق دائماً على أمهر الأطباء.. وواصل ابتسامته المنكسرة، ولاحظت أن قدراً كبيراً من الشجاعة ظل يشع من ملامح وجهه الغائر ..


ومضيت مع الصديق نتجاذب أطراف الحديث ونتذكر أمل دنقل القديم، سنوات العذاب الطويل، أيام التسكع والجوع ، خلال الفترة التي اشتدت فيها وطأة القهر والظلم والفقر والمطتردة على أمل دنقل قبل أن تشتد عليه وطأة المرض القاتل. قال لي الصديق الذي لن أذكر اسمه بسبب الفقرة التالية من الحديث : لقد كنت في القاهرة منذ سبع سنوات ، رأيت خلالها أمل دنقل أكثر من مرة وذات يوم رأيته كالعادة يذرع الطرقات بحثاً عن صديق يدفع له ثمن الغداء. وعندما رآني توجه نحوي قائلاً : نصف جنيه .. نصف جنيه فقط ثمن الغداء .


وعندما كنت معه في المستشفى منذ أسابيع مددت يدي إلى جيبي وأخرجت خمسمئة جنيه وقدمتها إليه في خجل، ضحك صديقي أمل دنقل من تصرفي غير المهذب، وقال لي : اطو ِ أوراقك يا أخي فلم أعد بحاجة إليها، كنت منذ سنوات كما تذكر بحاجة إلى ورقة واحدة منها ، وكانت ورقة واحدة تكفي لتسعدني يوماً أو أكثر ، أما الآن فلا قيمة لها عندي ، إن ما في العالم من هذه الأوراق لا يهز شعرة في جفني، ولا يخفف ألم دقيقة واحدة من عذابي الطويل المرير .


../ يتبع
التوقيع :



شكراً لـ الماضي الجميل
  رد مع اقتباس
قديم 19-10-2007, 01:40 AM   #10
نزار عوني اللبدي
مشرفين
 
الصورة الرمزية نزار عوني اللبدي

الجنس :  ذكـــر
الدولة :  عمان - الأردن
هواياتي :  انتظار ما تأتي به الأيام
نزار عوني اللبدي is on a distinguished road
نزار عوني اللبدي غير متواجد حالياً
افتراضي


أطياف ذكرى :




كان قد نشر عدداً غير قليل من القصائد، حين التقيت به لأول مرة، لكنه لم يكن قد أصبح مشهوراً ،
وكان وثيق الصلة بشاعرين من أكبر شعراء القصيدة الجديدة في مصر هما : صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، وكانت علاقته بالأخير وتأثره بشعره أوضح وأصرح. وفي الأعوام الأولى التي تعرفت فيها على أمل ابتداء من عام 1966 كان أكثر التصاقاً بحجازي وأكثر تأثراً وتقليداً لطريقته في الحياة قبل أن يصير له أسلوبه الخاص وحياته المطلقة التي زادت الظروف في تعقيدها وزادت في الوقت ذاته من عفويتها.

وكانت هزيمة حزيران 1967 بداية الانعطافة الحقيقية نحو الشهرة ونحو الشعر، وليس في هذا ما يمس بعبقرية الشاعر من قريب فقد كرست المآسي العظيمة الشعراء العظام، ومأساة فلسطين هي التي خلقت وكرست أهم شعرائنا أمثال : محمود درويش وسميح القاسم وغيرهما.

وفي الأيام الأولى للنكسة أو الهزيمة كان أمل دنقل يقرأ قصيدة ( زرقاء ) قبل النشر وهي قصيدة جريئة أكدت خطواته على طريق الشعر، وكانت عنواناً لأهم دواوينه ( البكاء بين يدي زرقاء اليمامة ) ، كنت يومئذ بجواره ، وكان بعضهم يحذره من نشر القصيدة ، بل يذهب غلى حد تحذيره من مجرد التلفظ بها حتى لايناله الأذى، لكنه لم يتردد وسارع في نشرها وجعلها بعد ذلك عنواناً لديوانه الأول، كما قرأها في أكثر من منتدى شعري وفي أكثر من ملتقى أخوي ..

وفيما تبقى من عام 1967 وإلى أوائل السبعينات ( من القرن الماضي) كانت القصيدة على كل لسان ، فليس قبلها قصيدة وليس بعدها قصيدة نالت ما نالته من الشهرة والذيوع، فقد ارتبطت بالجرح القومي الأكبر، وكانت تعبيراً عميقاً وصادقاً عن موقف عنترة ( الشعب العربي ) الذي تركه الحكام في صحراء الإهمال يسوق النوق إلى المرعى ويحتلب الأغنام ويجتر أحلام الخصيان حتى إذا ما اشتدت الحرب وأعلنت المعركة ذهبوا إليه يستصرخون فيه روح الحمية ويدعونه إلى الدفاع عن قصورهم المضاءة بالمسرات وألوان الترف.



../ يتبع
التوقيع :



شكراً لـ الماضي الجميل
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

(عرض الكل الاعضاء الذين شاهدو هذا الموضوع: 2
ثناء البيطار حيدر, فتى مكة
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
شاعر النيل يرثي اللغة العربية ثناء البيطار حيدر شاعر وقصيدة 0 11-08-2009 08:45 PM
انا من بطن امي خلقت شاعر / لطفي الياسيني شاعر فلسطين الشاعر لطفي الياسيني الزجل 0 05-05-2008 01:38 PM
حميدان الشويعر شاعر الحكمة والنقد والهجاء فتى مكة شاعر وقصيدة 3 12-04-2006 08:14 PM
عامل ينقل الايدز لنساء سعوديات أبو أحمد رؤى .. ! 9 09-09-2004 02:19 AM
العيب الكبير صوت الطائف سماء ثامنة 0 18-07-2004 08:15 PM


الساعة الآن 12:25 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
كل الحقوق محفوظة